شهاب الخشاب يكتب «الفهامة 60».. الصنعة
شهاب الخشاب يكتب «الفهامة 60».. الصنعة

إيه الفرق بين الفنان والصنايعي؟ بما إننا في موســــــــم نتايج الثانوية العامة، ممكن نعتبر إن الفرق في المجموع: اللي جاب أكثر من 95% فنان واللي جاب أقل من 60% كان حقته يدخل دبلوم صنايع. في الاستعارة دي زي في عالم الفن (يعني إيه عالم الفن؟)، الفنان هو المبدع المفكر العبقري اللي بيخلق الأعمال الراقية والمتميزة، والصنايعي مجرد الحريف الشاطر اللي بيصنع الحاجات اليدوية البسيطة. التفرقة بين الفنان والصنايعي فيها نوع من التعالي على الصنعة، وكأن الفنان مابينتجش حاجة بإيده أو كأن الصنايعي مش ممكن يبدع. التفرقة دي ماكانتش موجودة طول عمرها، وده واضح من كلام عالم الاجتماع العربي ابن خلدون عن الصنايع.

في "المقدمة" الشهيرة اللي كتبها في القرن الأربعتاشر الميلادي، ابن خلدون شرح إن الصنايع البشرية من أسس العمران المدني (يعني إيه عمران؟). الصنعة دي بتزدهر مع ازدهار المجتمع، وبتفنى مع فنائه، وبالتالي الصنعة من الدلائل الرئيسية عن مستوى العمران. بعيدا عن آراء ابن خلدون التاريخية عن الفرق بين صنعات البدو البدائية والصنعات المدنية المتطورة، وهي آراء مش شرط تكون صحيحة، تفكيره في مفهوم الصنعة نفسه كان مميّز.

في تمنتاشر فصل عن علاقة الصنعة بالعمران، ابن خلدون هذا فقد أَبْلَغَ صنايع زي الفلاحة والبناء والنجارة والخياطة والتوليد والطب والخط والكتابة والغناء. الغريب بالنسبة للقارئ الجــديـد هو إن ابن خلدون مابيفرّقش بين حاجات إحنا بنفرّق بينها. فمثلاً مفيش إلا الفلاحة والبناء والنجارة والخياطة اللي ممكن نعتبرهم صنايع النهارده، والباقي بنعتبرها علوم زي الطب أو فنون زي الكتابة والغناء. في الرؤية الحداثية الشائعة، الخلطة دي غلطة لإن الحداثي هيعتبر إن ابن خلدون مش فاهم الفرق بين الصنعة والفن. إنما الرؤية الحداثية متعالية ومش دقيقة، لأنها بتفترض إن الفروق الحديثة أحسن لمجرد إنها أجدد، ومابتحاولش تفهم السياق اللي أنتج مفهوم ابن خلدون الواسع عن الصنايع.

مفهوم الصنعة في كتاب "المقدمة" بيواصل استخدام كان موجود من القرن التاسع والعاشر، مثلاً في كتابات الكندي والفارابي عن الموسيقى. الفلاسفة دول ماكانوش بيتكلموا عن الموسيقى كفن إنما كصناعة، لأن ماكانش فيه فرق بين الفن والصناعة بالمعنى الجــديـد. في رأيهم، الموسيقى كانت عبارة عن أصوات متولفة عن طريق آلات وأجسام بشرية، والتقنية اللي الواحد بينتج بها الأصوات دي أهم من البراعة الفنية في إنتاجها. وكذلك في حالة الطب في زمن الكندي والفارابي وحتى ابن خلدون: المهم مش براعة الطبيب، الأهم هو التمكن من التقنيات اللي هتشفي المريض.

يعني الفرق الجــديـد بين الصنعة والعلم والفن مالوش وجاهة زي الفرق بين الصنايع العملية والصنايع النظرية: بين صنايع بتستدعي ملكة جاية من النشاط اليومي زي الفلاحة والطب والغناء، وصنايع بتستدعي ملكة جاية من الحفظ والدراسة زي الكتابة والموسيقى. في الآخر، الصفة المشتركة بين كل الصنايع دي هي إن البني آدم لازم يتملكها بالممارسة، والملكة أهم من الإبداع والعبقرة والتفنن. وبالتالي الفنان والصنايعي مش بعاد عن بعض في وصف ابن خلدون، لأن الأهم هو الممارسة والتملك مش الاختراعات والافتكاسات.

إذا رجعنا بمفهوم ابن خلدون إلى الزمن الحاضر، نقدر نشوف إن الفروق الحداثية بين الفنان والصنايعي مالهاش علاقة بالممارسة اليومية في الواقع، إنما بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية خلقت انطباع إن الروائي والمغني والمخرج السينمائي مالهمش أي علاقة بالبنا والنجار والخياط، بما إن الأوائل مبدعين وخالدين وبيكسبوا كويس وبيتكرّموا في المؤسسات الرسمية، بينما التانيين بسطاء ومؤقتين وبيكسبوا اليوم بيومه ومابياخدوش لا جوايز ولا مناصب. واقع الأمر إن الفنان بقى في مرتبة اجتماعية أعلى، والصنايعي في مرتبة أدنى، وده بيبان في التصورات العامة زي ما بيبان في الثانوية العامة. إنما الفرق العملي بين الفنان والصنايعي مش كبير، فمالناش حق نتعالى على الصنايعي ولا نرفع الفنان فوقيه.

الفنان زي الكاتب زي الصنايعي لازم يمارس صنعته كل يوم عشان يعرف يتملكها ويبدع فيها، وده درس لازم ناخده في الفن وفي السياسة.

المصدر : التحرير الإخبـاري